أحمد بن محمد ابن عربشاه

303

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فتناول القط من تلك السرقة ما سد رمقه ، وشكر للجرذان تلك الصدقة . ولما أكل فمه استحيت الحدقة ، ثم قال له : أنشد ما أنت يا أبا راشد قال : إن لي عليك من الحقوق ، مثل ما للجار الصدوق على الجار الشفوق وأردت أن يتأكد الجوار بالصداقة ، وتتراقى إلى درجة المحبة بأوثق علاقة ، وإن كانت بيننا عداوات قديمة فنترك من الجانبين تلك الخصلة الذميمة ، ونستأنف العهود على خلاف الخلق المعهود ، وتدبير الأمور على مصلحة الجمهور ، ونبنى القاعدة في البين على ما يعود نفعه على الجانبين ، وأذكر لك أشياء تحملك على ترك خلقك القديم ، وتهديك في طريق الإخاء إلى الصراط المستقيم ، وهو أن أكلى مثلا ما يغذى منك بدنا ، فضلا عن أن يظهر فيك صحة وسمنا ، ولكن إن أمنتني مكرك وأعملت نظرك وفكرك إلى أن أستوثق باستصحابك وأبيت آمنا في مجيئك وذهابك ، ولو كنت بين مخالبك وأنيابك ، فإني ألتزم لك في كل يوم إذا استيقظت من النوم بما يسد خلتك ، ويبقى مهجتك صباحا ومساء وغداء وعشاء ، وإن قلت إن ذلك شيء مجهول فأنا بنظير هذا المأكول ؛ فإن هذا الغذاء يكفيك عشاء وغذاء ، وما قصدت بذلك إلا رعاية لحق ، ولقد آنستني بتسبيحك بالليل والنهار ، وأظن وظني لا يخيب إنك تبت إلى الله ورجعت من قريب ، وكففت عن أذى الجيران وعففت عن أكل الفيران . ثم اعلم يا أسد الضّياون « 1 » : إن لي من هذه المئونة عشر مخازن قد أعددتها لمثلك ، وأنا أقدمها لمنزلك ، وأدخرها لأجلك ، والقصد أن أكون آمنا من سطواتك ساكنا في صدمات حركاتك ، وذلك إنما يعلم بتأكيد الإخاء وتأييد المحبة والولاء . فلما رأى الهر هذا البرّ ، أعجبته هذه النعم وأطربه هذا النغم ، وأقسم

--> ( 1 ) الضياوى ، مفردها ضيون : هو السنور الذكي .